Skip to content
supply chain

عندما تبدأ جودة التوريد من الصفر: تجربة مرسيدس-بنز مصر في بناء قاعدة من الموردين المحليين

كيف تحولت مراجعة الموردين من أداة لاكتشاف الأخطاء إلى منظومة لبناء القدرة والجودة

في الصناعات عالية المتطلبات، لا تبدأ جودة السيارة عند خط التجميع، ولا تنتهي عند فحص القطعة بعد وصولها إلى المصنع. الجودة تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ من قدرة المورد على فهم المواصفة، وتحويلها إلى عملية إنتاج مستقرة، ثم إثبات أن هذه العملية تُنفَّذ فعليًا وبالطريقة الصحيحة في كل مرة.

 

هذه هي الفكرة التي قامت عليها تجربة مرسيدس-بنز مصر في تطوير جودة الموردين المحليين خلال الفترة من 1997 إلى 2006. في ذلك الوقت، لم تكن المهمة مجرد متابعة موردين يمتلكون أنظمة ناضجة، بل كانت أقرب إلى تأسيس منظومة جديدة من الأساس، بالتوازي مع توجه حكومي وصناعي للوصول إلى نسبة 45% من المكوّن المحلي في صناعة السيارات.

 

كان هناك نحو 25 موردًا محليًا لقطع ومكوّنات السيارات، مع وجود موردين لكل فئة أو خامة رئيسية. وشملت مكوّنات مثل الفرش الداخلي، والزجاج، والشكمان، والرادياتير، والتكييف، وضفائر الكهرباء، والإطارات، وأسطوانات الفرامل، ونظام الصوت، والدهانات، والبطاريات، وطفايات الحريق. ومن أمثلة الموردين في مجال الفرش الداخلي شركتا موبيكا وتاكي.

 

لم تكن إدارة الجودة مسؤولة عن حصر الموردين أو ترشيحهم؛ فقد كان ذلك من اختصاص إدارة المكوّن المحلي. أما دور إدارة الجودة فكان يبدأ بعد الترشيح: تأهيل المورد فنيًا، ومراجعة نظام الجودة، والتحقق من جاهزية الإنتاج، ثم اتخاذ قرار الاعتماد قبل بدء التوريد إلى المصنع.

 

مسؤولية تتجاوز المراجعة التقليدية

كان محمود  الحفناوي يشغل منصب  في مرسيدس-بنز مصر، ويتولى قيادة منظومة الجودة ومراجعة الموردين.  

كان برنامج المراجعة يتطلب مراجعة كل مورد مرة واحدة سنويًا، أي ما يقارب 25 مراجعة في السنة.  وتشمل مسؤوليته التخطيط، والتنفيذ، وإعداد التقارير، وعرض النتائج، ومتابعة الإجراءات التصحيحية، ثم اعتماد المورد أو رفضه.

 

ولم يكن الاعتماد إجراءً شكليًا. فاعتماد المورد كان شرطًا أساسيًا قبل بدء التوريد، كما كان تجديد الاعتماد يتم سنويًا. وبعد اعتماد العينة الأولية من خلال معامل مرسيدس في ألمانيا، كانت مهمة فريق الجودة في مصر هي التحقق من أن المورد أصبح جاهزًا للتصنيع والتوريد الفعلي، وليس فقط أن عيّنة واحدة قد اجتازت الاختبار.

 

أربع بوابات قبل بدء التوريد

كانت جاهزية المورد تُبنى على مجموعة من المتطلبات المتكاملة. أولًا، كان يجب أن يكون المورد حاصلًا على شهادة ISO 9001 من جهة خارجية. ثانيًا، كان اعتماد العينة الأولية يتم من خلال معامل مرسيدس في ألمانيا. ثالثًا، يخضع المورد لمراجعة عمليات وفق VDA 6.3 بواسطة مرسيدس مصر. ورابعًا، يحصل على موافقات المكوّن المحلي المطلوبة من مرسيدس مصر.

 

بهذا الأسلوب، لم يكن وجود شهادة نظام جودة كافيًا وحده. فالشهادة تثبت أن لدى المورد نظامًا إداريًا موثقًا، لكنها لا تضمن تلقائيًا أن كل عملية إنتاج تُنفَّذ كما هو مكتوب، أو أن العاملين يستخدمون وسائل القياس الصحيحة، أو أن نتائج الفحص قابلة للتتبع.

  

كانت  الاداة الأساسية للمراجعة

VDA6.3 Process Audit

 و لفحص العمليات من حيث التطبيق الفعلي في مراحل الإنتاج. وفي فلسفة التقييم، لم يكن التوثيق المنفصل عن التنفيذ مساويًا للتوافق الكامل. فالقيمة الحقيقية تظهر عندما يتطابق ما هو مكتوب مع ما يتم تنفيذه على أرض الواقع، بحيث يصبح النظام قادرًا على إنتاج جودة مستقرة وقابلة للتكرار

ولم تكن  الأداة الوحيدة في منظومة العمل. فقد ارتبطت المراجعات بمتطلبات  و انظمة و ادوات  .

ISO 14001

ISO 18001

ISO/TS 16949

Mercedes-Benz Production System

SPC

Six Sigma

FMEA

Torque Sample Inspection

KPI

VDA 6.3

Control Charts

 

المراجع ليس صيادًا للأخطاء

ربما كانت أهم قيمة في هذه التجربة هي الفلسفة التي حكمت أسلوب التعامل مع الموردين. فالمراجع لم يكن يُنظر إليه باعتباره شخصًا يبحث عن أخطاء لإدانة المورد، بل باعتباره طرفًا مهنيًا يساعد على كشف الفجوة، وفهم سببها، ووضع إجراء تصحيحي واقعي، ثم التأكد من أن الحل أصبح جزءًا من العملية.

 

المراجع ليس صيادًا للأخطاء، بل داعم لتحسين الأداء وتحقيق التوافق الفعلي مع متطلبات المواصفات

 

هذه الفلسفة لا تعني التساهل مع المتطلبات، بل تعني التعامل معها بجدية وموضوعية. فالمورد الذي لا يحقق المواصفة لا يمكن اعتماده، لكن الهدف من المراجعة ليس إغلاق الباب أمامه من أول مشكلة؛ الهدف هو مساعدته على بناء القدرة التي تجعله مؤهلًا ومستقرًا وقادرًا على الوفاء بالمتطلبات.

 

مثال من ضفائر الكهرباء: عندما تكشف المواصفة فجوة في القدرة

في إحدى مراجعات موردي ضفائر الكهرباء، كان من المفترض إجراء اختبار شد لسلك الكهرباء وفق المواصفة الفنية. إلا أن المورد لم يكن يمتلك عدة اختبار مخصصة لهذا الغرض، وكان يستخدم عدة الإنتاج بدلًا منها.

لم تكن المشكلة مجرد نقص في ورقة أو توقيع. كانت هناك فجوة حقيقية في قدرة المورد على تنفيذ اختبار مهم بطريقة موثوقة. وقد تم توضيح المشكلة للمورد واقتراح الحل المناسب، مع منحه مهلة ثلاثة أشهر لتصحيح الوضع.

بعد انتهاء المهلة، أرسل المورد ملفًا كاملًا يثبت شراء عدة اختبار الشد الجديدة، وتدريب مفتش الجودة على استخدامها، وتقديم نتائج التفتيش التي تم الحصول عليها باستخدام المعدة الجديدة. هنا تحولت المراجعة من تسجيل ملاحظة إلى بناء قدرة فنية جديدة داخل المورد، مع وجود دليل واضح على أن التصحيح تم تنفيذه وأصبح قابلًا للمراجعة.

 

مثال من الزجاج: تحويل متطلب فني إلى بيئة اختبار مناسبة

في حالة أخرى، أظهرت المراجعة أن اختبار الخصائص الضوئية للزجاج الخلفي للسيارة لا يتم وفق المواصفة الفنية، بسبب عدم وجود غرفة مناسبة للاختبار.

مرة أخرى، لم يكن الحل هو الاكتفاء بالإشارة إلى عدم المطابقة. تم تصحيح الوضع من خلال إنشاء غرفة اختبار جديدة، بتصميم إضاءة خاص يتوافق مع متطلبات المواصفة الفنية. وبذلك أصبح لدى المورد المكان والظروف المناسبة لتنفيذ الاختبار بصورة صحيحة، بدلًا من الاعتماد على ظروف غير ملائمة قد تؤثر في دقة النتائج.

 

توضح هذه الحالة أن جودة المورد لا تُبنى فقط بالقول له «التزم بالمواصفة». أحيانًا يحتاج الالتزام إلى استثمار في البنية التحتية، أو تعديل في طريقة العمل، أو توفير معدة، أو تطوير مهارة، أو إنشاء وسيلة قياس مناسبة. ودور المراجعة المهنية هو كشف الاحتياج بدقة، ثم تحويله إلى إجراء يمكن تنفيذه والتحقق منه.

 

نظام اعتماد واضح قائم على النتائج

بعد كل مراجعة، كانت النتائج تُعرض في اجتماع رسمي مع الإدارة العليا للمورد، ويتم الاتفاق على الإجراءات التصحيحية وفقًا للدرجة النهائية. وكان نظام القرار واضحًا ومعلنًا:

 

نتيجة المراجعة  –   قرار الاعتماد    –   متطلبات المتابعة

90% فأعلى        منح الاعتماد فورًا  التأكيد على إنهاء الإجراءات التصحيحية خلال ثلاثة أشهر كحد أقصى

من 75% إلى 89%     اعتماد مشروط     إنهاء الإجراءات التصحيحية خلال ثلاثة أشهر، دون الحاجة إلى مراجعة جديدة

أقل من 75%      عدم الاعتماد وإعادة المراجعة  زيارة جديدة بعد ثلاثة أشهر، ومع تكرار الإخفاق يُرفض الاعتماد

كانت إدارة الجودة التي يرأسها محمود الحفناوي تتابع تنفيذ الإجراءات التصحيحية خلال الفترة المحددة. وبذلك لم تكن المراجعة حدثًا منفصلًا ينتهي بخروج الفريق من موقع المورد، بل كانت جزءًا من دورة مستمرة تشمل التقييم، والاتفاق، والتنفيذ، والتحقق، ثم التجديد السنوي للاعتماد.

 

من موردين محليين إلى قاعدة توريد قادرة على المنافسة عالميًا

النتيجة الأهم لم تكن عدد المراجعات ولا عدد التقارير، بل التحول الذي حدث في مستوى الموردين. فقد ساعدت المنظومة على رفع جاهزية الموردين المحليين، وتحسين جودة التوريد، والارتقاء بجودة المنتجات إلى مستوى عالمي.

 

وبعد أن بدأت التجربة من نقطة لم تكن فيها منظومة متكاملة لجودة الموردين، تشكلت قاعدة قوية من 25 موردًا محليًا معتمدًا وقادرًا على تلبية المتطلبات العالية لصناعة السيارات الألمانية. ولم يعد المكوّن المحلي مجرد نسبة مطلوبة لتحقيق هدف صناعي أو حكومي، بل أصبح جزءًا من منظومة جودة يمكن الاعتماد عليها.

 

وقد انعكس هذا المستوى من الجودة على المنتج النهائي. فمرسيدس-بنز مصر لم تكتفِ بتلبية احتياجات السوق المحلي، بل وصلت إلى مرحلة تم فيها تصدير سيارات كاملة من طراز اي 200 إلى الصين. وبعد تصدير أول شحنة، انتقل محمود الحفناوي إلى السعودية ليبدأ مرحلة مهنية جديدة في مجال خدمات ما بعد البيع.

 

الدرس الأوسع للصناعة المصرية

تقدم هذه التجربة درسًا يتجاوز حدود شركة أو فترة زمنية محددة. بناء صناعة سيارات قوية لا يعتمد فقط على خطوط التجميع أو المعدات، بل يعتمد على شبكة من الموردين القادرين على إنتاج مكوّنات مطابقة، مستقرة، قابلة للتتبع، وقابلة للتطوير.

 

كما أن تطوير الموردين لا يتحقق بإصدار قائمة طويلة من المتطلبات فقط. إنه يحتاج إلى نظام واضح للاعتماد، ومراجعين يفهمون العمليات، وإدارة عليا للمورد تلتزم بالتصحيح، ومتابعة لا تتوقف عند اكتشاف المشكلة، ومعايير لا تفرّق بين مورد كبير وآخر صغير عندما يتعلق الأمر بجودة المنتج النهائي.

 

لقد كانت  أداة مهمة، لكنها لم تكن جوهر القصة. الجوهر كان بناء ثقافة جديدة ترى الجودة باعتبارها قدرة تشغيلية، لا مجرد مستندات؛ وترى المراجعة باعتبارها وسيلة لتحسين الأداء، لا مناسبة لتصيد الأخطاء؛ وترى المورد المحلي باعتباره شريكًا يمكن تطويره ليصل إلى مستوى المنافسة العالمية.

 

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لتجربة مرسيدس-بنز مصر: أنها ساهمت في الانتقال بجودة التوريد المحلي من مرحلة البداية إلى مرحلة الاعتماد والانضباط والقدرة على دعم منتج يُصنع في مصر ويصل إلى سوق عالمي.

 

الخلاصة

تثبت التجربة أن الارتقاء بجودة التوريد يبدأ من ثلاث قناعات أساسية: أن المورد يحتاج إلى التأهيل قبل التوريد، وأن المواصفة يجب أن تُطبَّق في العملية لا أن تُحفظ في الملفات، وأن المراجع الناجح لا يكتفي بتسجيل الفجوة، بل يساعد على بناء نظام يمنع تكرارها.

ومن خلال هذه القناعات، قاد محمود إبراهيم الحفناوي، ضمن منظومة مرسيدس-بنز مصر، برنامجًا سنويًا لمراجعة واعتماد الموردين، وأسهم في بناء قاعدة من الموردين المحليين المتوافقين مع متطلبات صناعة السيارات الألمانية، ودعم مسارًا انتهى بمنتج مصري قادر على التصدير إلى الصين.

إنها ليست قصة مراجعة موردين فحسب؛ إنها قصة تأسيس قدرة صناعية، وترسيخ علم الجودة، وإثبات أن المورد المحلي عندما يحصل على المتطلبات الواضحة، والمراجعة المهنية، والفرصة الحقيقية للتصحيح، يستطيع أن يصبح جزءًا من سلسلة قيمة عالمية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *